الرسائل 2026 - الرسالة الرابعة | وهج لا طائل منه. يوم الأحد 26/04/2026
وهجٌ لا طائل منه.
لمدة ليست بالقصيرة، كنتُ حبيسًا لزنزانة أفكاري؛ لم أعد ذلك الشخص الذي
يسكب روحه حبرًا على الورق. والآن، خذلتني يدي، خذلتني تلك الأنامل التي كانت تطعم
جسدي وتغزل لي من خيوط اليأس التي أحبها جمالاً أخاذًا. تلك الأصابع التي صنعت لي
عالمي، تقف اليوم عاجزة، مشلولة أمام بياض الورق، لم يعد بها فكرة، فدلال الإلهام
أصبح ماضٍ. كيف لي أن أكتب وأفكاري لا تقتات إلا على الهمّ؟ كيف أكتب وهناك حاجز
أسود يحجب عني الرؤية؟ لقد أدركتُ أخيرًا أن الأمل ليس سوى قطعة من الهراء؛ يصدقه
الغبي، ويتاجر به الذكي، أما أنا، فلم يجد الأمل طريقي يومًا.
أشعر أنني أتلاشى، أصبحتُ شفافًا كالأشباح، تخترقني الأنظار دون أن تستقر
عليّ. لم يعد جسدي ذلك الكيان الصلب، بل غدا هواءً ثقيلاً له شعور طفيف، يمرّ عبر
الآخرين دون أثر. الفراغ الذي يسكنني يتمدد بوحشية، أشعر وكأنه ثقب أسود اجتاح
جسدي، ثقب سينال من العالم قريبًا وكنتُ أنا بوابته الأولى. لا أعلم كيف لا زلتُ
واقفًا وهذا الخواء يحملني، لقد زهدتُ في الجسد، وصرتُ أتوق لأن أكون مجرد روح
تعبر الأشياء؛ كروحٍ لطيفة في
أنمي"كتاب الأصدقاء" ترجو من "ناتسومي" أن يمنحها
حريتها، لتغادر إلى العالم الآخر، لعلها تبدأ رحلة الاستشفاء من آلام هذا الواقع
المقيت.
لم أعد أطيق مشاهدة فصول حياتي المظلمة؛ تلك الحياة التي تشبه في غرابتها
وحزنها الخفي أفلام "ديفيد لينش". أراقب الحياة وهي تتسرب من بين أصابع
الزمن كرمل الشاطئ الناعم، بينما أقف أنا في زاوية معتمة، أرصد ضياعي. كل ما أراه
هو الألم، شعورٌ قتّال بعدم الانتماء؛ لا حب يرمم الروح، ولا مال يجلب تلك السعادة
الزائفة التي يتحدثون عنها. تمضي الحياة وكأنها نقطة سوداء وحيدة في فضاء عارم، أو
بقعة حبر وحيدة في كتابٍ فارغ، صفحات تُطوى من الفراغ، وفي وسطها تضيع حياتي في
رتابة التكرار، وكأن القدر كتب لي أن أكون
منسيًا.
لقد خذلتُ ذاتي. كنتُ أقتاتُ على الأماني، أتخيلُ أن لي وجهةً، وأنني
سأغدو شيئاً، وظننتُ أن لدي شيء ملموس أفعله. لكن الحقيقة أنني أضعتُ هدفي، ولم
أعد أقوى حتى على الحراك. اهتزت ثقتي بنفسي حتى باتت ترتعد أمام الخيبات كأنها
أمام أسدٍ ضرغام، وصرتُ أستجدي نظرات الشفقة، وأتوقُ للفرار إلى مكانٍ بعيد؛ زقاقٍ
مهملٍ في أطراف الوجود، حيث يلفني النسيان، وحيث لا ينتظرُ مني أحدٌ شيئَا. في
جوفي صرخاتٌ صامتة تشتتُ كل شيء، لم تعد الأرض تحتملني، وكأنني في فضاءٍ مظلمٍ لا
يوجد به سوى العدم.
أليس من المثير للتأمل أن الحيوانات الغير عاقلة باتت أوفر حظَا منا؟ لقد
أنعم الله عليها بمن يُطعمها، ويكسوها، ويداعبها بحنو، أما نحن، فلو سقطنا اليوم
فلن نجد يدَا تمتد لتنتشلنا من عثرتنا، وسنغيبُ عن ذاكرة الكثيرين حتى إشعارٍ آخر.
لقد تبدلت أحوال الحياة، وغدا الإنسان كائنًا عاثرًا، يدركه الفقر وتشرده الأفكار
بسرعةٍ، حتى يفقد حياءه في مدّ يده للمارة؛ فالكبرياء لم يعد من الصفات التي يحرص
عليها. يمشي وهندامه ممزق، يرتدي ثوبَا نخرت الشقوق في تفاصيله، وتزلق قدماه نحو
الهاوية، بينما يرمقه الموت بنظرةٍ حادة. وفي النهاية، تجده مستلقيًا على قارعة
الطريق، ينصتُ لدقات قلبه وهي تذبل، بعد أن نهش الجوع والألم جسده، وباتت روحه
حبيسة كيانٍ لا يجد قوتًا، بينما هناك من يتنعم باللهو، وهنا من يعارك الردى لأجل
لقمةٍ يُبقي بها رمقه لمصارعة الوجود.
لا أعلم كيف أختم رسالتي هذه، فقد رأيت العالم يظلم أمامي، يخفت شيئًا
فشيئًا، ولم يعد للعيش نفعٌ يُرجى. ضاق المتسع، ولم تعد نفسي ترغب في نهوضٍ أو
نومٍ أو زاد. روحي تتوق للفناء، تلهثُ وراء الرحيل، وتريد ألا تكون، أن تصبح مجرد
"لاشيء".
تعليقات
إرسال تعليق