الرسائل 2025 - الرسالة الثالثة | يوم الخميس 06/11/2025

 ليالي نوفمبر








ليالي نوفمبر الباردة،

تطعم الجسد براحة الخروج

 من تحت الأسقف،

لتمنحه متعة النظر إلى الأفق

وانتظار نجمٍ يشعّ.

تتأمله حتى تُعلن الشمسُ

موتَ الليل،

فتنير الأرض بخيوط أشعتها،

وتغسل الثرى بضوءٍ مباركٍ

بعد أن أنهكته الظلمة القاسية.





عدتُ أكتب إليكِ أيتها الشبح.

كنتُ في بعض الأيام أفكر بكِ،

لكن عقلي بدأ يتناسى كل شيء،

حتى خُيّل إليّ أن الزهايمر حلّ بعقلي.

لكنني الآن أكثر إدراكًا من أي وقتٍ مضى

أنني أحب أن أنسى،

وليس للمرض أيّ يدٍ في ذلك.

 


 

أحيانًا أراكِ في خيالي،

 جالسةً إلى جواري،

تتأملينني وأنا على المقعد وبين يديّ كتابٌ

أحاول أن أستدرج أفكاري إليه،

لكن حضوركِ يعبث بتركيزي،

فأقرأ السطر الواحد مرارًا،

حتى يختفي طيفكِ ويعود المعنى.

أراكِ بخجلكِ المعتاد تسألين عن رأيي في الكتاب،

فأجيبكِ بهدوءٍ لا يخلو من اعترافٍ خفيّ:

«هو ليس لذيذًا مثلكِ».

 

 

 

لا أستطيع التأمل في الفراغ طويلًا،

فحياتي تشبه السجن،

لكن بلا سجانين.

أنظر إلى نفسي فأرى قناعًا قبيحًا على وجهي،

وأدرك أن هذا ليس وجهي الحقيقي.

أعلم أنني لست جميلًا،

لكنني الأن أرى في ملامحي ظلّ ملاك الموت،

هادئًا لا يلسع إلا ذوات الأرواح.

 



هكذا أنا منذ أسبوعين؛

لا أرغب أن أبقى على هذه الحال،

لكن يبدو أن الحالة ستطول.

فالفم امتلأ بالجفاء،

والعينان الصغيرتان خلا منهما كل تعبير،

وكأن جسدي يتعفن من الداخل.

مشاعري بدأت تتدفق خارج قلبي،

لتصيب لحمي بالموت البطيء،

فنفسي ترفض التجلّد،

تريد أن تسقط حتى النهاية.

 



أحيانًا يروق لي أن أعلم

أن هناك من ينتظر رسالة مني،

ينتظر حرفًا من حروفي التي لا معنى لها،

حروفٌ تولد من عقلٍ غير متزن.

يروق لي أن أشعر بأن لي أهمية،

لكن عادةً لا أحد ينتظر.

الساحة فارغة،

ما بها سوى صدى الرحيل

وخيوط العنكبوت.

 


يبدو أن النوم هو المفضل لدى الكثيرين،

وهو لي أيضًا مهربٌ معتاد.

لا أنتظره طويلًا،

فهو يأتي مشتاقًا لعينيّ،

يدخل كأنه حبيبٌ جاء ليقيم بين جفوني.

 



لم أعد أشعر بتلك الرغبة الجامحة التي كانت تسير بي،

خبت مع مرور الأيام حتى انطفأت تمامًا.

لم تعد تسري في عروقي،

ودمي لم يعد يغلي؛

أصبح كطلاءٍ أحمر بارد،

إن خرج من جسدي سريعًا جفّ وتغيّر لونه،

وكأنه دمٌ غير طاهرٍ،

أسود باهت.

 



لا أعلم لماذا أكتب كل هذا،

ليس هناك ما حدث في أيامي لأتحدث عنه،

ولا رغبة حقيقية في الكتابة،

وربما الوقت غير مناسب للبوح.

إنها ليست رسالة،

بل مذكّرة لنفسي،

للحظاتٍ مظلمة أعيشها.

ها أنا أكتب بعض الكلمات

بعد أن هجرت الرسائل،

بعد أن اختفى الخيال،

وأنا هنا أعاني،

كأنني بين جليد الحياة ونارها،

أبقى في الوسط أنتظر خلاصي،

ومع ذلك،

لا أجده.




الكاتب: فراس إبراهيم.


تعليقات