شذرات 2025 - 8 | قطار الحياة.

                            قطار الحياة      

 

 






يمر القطار،

ويتهاوى الزمن

عبر جدران الحياة،

يمرّ خلاله كل شيء:

الغضب، الفرح، الهدوء،

الصمت، الحزن.

يتمزّق غشاء الطريق،

ولا يتوقّف الزمن،

بل يمضي بكل جموح،

تبزغ معه الحقيقة،

وتستقرّ فيك الزوبعة،

وتتكوّن تلك العاصفة

التي لا اسم لها.

 





الحياة ليست حكاية

تُلقى من فمٍ أنهكه اليأس،

ولا كلمات ترسم

كتلًا محطمة في الهواء،

بل هي أثرٌ على الصخر،

وعلى ترابٍ رطب

تمحوه الريح سريعًا،

ولا تملك إلا أن تتدثّر

بردائك الهَتر،

تحاول أن تستر

الخراب القابع في جوفك،

ترمّمه بصمت،

فالصدى قد أنَّ

في كل أنحاء ذاتك.

 





يمشي عبر السنوات

بخطواتٍ وئيدة،

تثقل عليه

وتستحيل على نفسه.

يمشي عبر الغابات،

ينظر إلى الشجر،

إلى تلك البركة الزرقاء

حيث يجري الماء

في قناة صخرية ضيّقة.

يتأمّل جذع شجرة

وقف عبثًا في وجه الزمن،

مكث طويلًا

حتى تسلّل إلى أفكاره.

أصبح يناجي الشجر:

ما بالكم لا تتألمون؟

تسقطون بلا حركة.

كان يراقب سقوطهم

كما تراقب الشمس الكالحة المشهد،

بلا شفقة،

بلا انحياز.

ولا تسقط الشجرة وحدها،

بل يهتزّ يقينه أيضًا،

ويطفو وحيدًا،

مدركًا أن دوام الأشياء

ليس إلا وهمًا

نُقش في عقله

منذ الصغر.

 





الأيام تمضي،

والجليد يكسو نافذة ألمه،

ويغلف ما تبقّى من وجوده.

والزمن لا يكتفي بالمرور،

بل يسرع،

يجوب الأمكنة

كأسدٍ يفترس اللحظات.

المنشار يذهب ويأتي،

يمينًا، يسارًا،

ليس لقطع الشجر وحده،

بل ليجوس في الداخل،

يغرس أنيابه في الأمل،

ينهش الصمت،

ويقتل تلك المساحة الصغيرة

التي كان يمكن للإنسان

أن يتنفّس فيها

بسلام.

 





حياته هادئة،

هادئة إلى حدّ القسوة.

لا ضجيج،

لا أصدقاء كُثر،

فقط عمل،

وصمت،

وقلب يتعلّم كيف يتحمّل.

في عمله تجرحه الأشواك،

وتخفيه الغابات عن نفسه.

يشتعل حريق في الأشجار،

نارٌ تلتهم كل شيء،

والدخان الأبيض يغطي الأفق.

ينظر، وقلبه يخفق.

شجرٌ قد غرس فيه فأسه

يحترق،

والنار لا يشبع جوعها

إلا الهلاك.

قبلاتها ليست سوى سعير.

فمه بارد،

وعيناه امتلأتا بالدمع.

لم يعد يعرف ما الذي يراه.

لا يصرخ كثيرًا،

لكن ما في داخله

يحترق دفعةً واحدة.

يصل إلى البحيرة المسكونة

بذلك الوعد الذي تأخّر عنه.

كل شيء الآن رماد:

البيت احترق،

وكذلك الذاكرة، 

فلم يبقى له رمق.

 

 



في ظلمة منتصف الليل

حُجبت عنه السماء،

وتكشّفت مأساة الأرض.

غزاه الألم،

وساقه الحب نحو الحطام.

كانت الأحلام تتربّص به،

تُقنعه أن التعب

سيكافَأ يومًا ما.

لكن النار، حين جاعت،

هدهدت الوقت،

وأضاءت الأشجار،

ولسعت الأرض بثقلها.

 





بعد الحريق

لم يكن حزينًا فقط،

بل لم يعد له وجود.

ارتوى من الألم،

ونال منه العدم.

سقط في رماد الوجود،

وهرع يشكو إلى الفراغ،

فلم يجد هناك

بابًا غير مؤصد.

الموت يعدّ الأيام،

ويبقى على الأرض

ينتظر لحظة دفنه.

 





يمشي بعدها

كمن يعيش في هوامش العالم.

يرى الحياة تمرّ،

ويعيش فيها

كمن يعيش بلا تفكير،

حياة جرداء،

غريبة عنه.

يسمع نداءات خفية

تعبر الزمن،

يسمعها

كمن يقيم في الماضي،

وبين طيّاته يعيش،

فتأبى نافذة الماضي

أن تُغلق نفسها.

 





الحياة قاسية،

وهي تهمس لك

بحقيقة أشدّ وجعًا:

أنها تمضي،

سواء فهمناها

أم لم نفهمها.

هي مجرد صفحات

تُطوى بسرعة،

وتضعنا في أماكن مجهولة،

أماكن مظلمة

لم نعتقد يومًا

أننا سنكون فيها.

ومع ذلك،

نشعر بثقلها في صدورنا.

نخاطر،

ونتمايل مع الزمن

كما يتمايل القارب في البحر.

نحاول أن نعيد للحياة

لونها الأصلي،

أن نزرع الخضرة

في قلبٍ ذاق الألم

وعرف سواد الأمور.

 





نشعر بصدى الحياة،

وبصدى الألم،

وبصدى الفراغ الذي نعيشه.

نحاول أن نحلّق،

ألا ندع شيئًا

يتشبّث بنا.

فالمعجزات قابلة للحدوث.

نحلّق

لا لنَهوي بعشوائية،

بل لنحدّد موضع الهبوط،

لنتوهّج،

ونأسر الحواس،

وليصرخ الوجود

أننا غيّرنا

ولو قليلًا من الحياة.

نرمّم ما ينبش في الداخل،

ونتذكّر

أننا كنّا هنا،

وأن القطار

حتمًا

سيمرّ بنا.

 






كتب هذا النص بعد مشاهدة فيلم نتفلكس الممتاز

Train Dreams (2025)

كان الفيلم ملهمًا للنص، لا لكونه سياقًا حاضرًا في الذهن، ولا كحكاية التزمت بتتبعها، بل كان كأثر خفي تسلل إلى الشعور، وترك ظلاله في الكتابة. لم أهتم بالسياق، ولا بالسرد المباشر، لكن بعض التفاصيل كُتبت في النص وهي تفاصيل أساسية، ولكن تُعتبر تفاصيل ضبابية لن تُفهم على حقيقتها إلا بعد مشاهدة الفيلم. النص لا يحرق الأحداث، ولا يشرحها تفصيلًا، بل يمر بمحاذاتها، كما يمر القطار:  

يترك دخان، ينثره الريح، ثم يختفي.

 


قراءة ممتعة

 



الكاتب: فِرَاسْ إِبرَاهِيم.



تعليقات

إرسال تعليق